العرب، الأعراب الجُهال المتخلفون! les arabes, les bédouines ignorants

الجاهلية … العرب قبل الإسلام … كُفار قريش ؟
ما الذي تتخيله عندما تسمع هذه الكلمات للمرة الأولى ؟
زنا .. شرب خمر …  تسكع …  جهل أمية ، لا خدمة لا زدمة …. أليس كذلك ؟
هل سألت نفسك لماذا ؟

الإعلام وأفلام ومسلسلات السينما ..  هذا ما غرسوه فينا ،.. وسقط في فخهم حتى بعض الدعاة المتهورين بتكرار هذه الاسطوانة … فكلما تكلموا عن العرب قبل الإسلامأظهروهم في مظهر التخلف والجهل وحب الخمر والنساء قوم بدو همج لا أخلاق لهم  .. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ  معتز عبد الرحمن في مقاله بعنوان : ماذا خسرنا بتشويه الدراما لكفار قريش؟!
(“تظهر الأفلام والمسلسلات دوما الكافر القرشي في صورة (الحيوان) قبيح الوجه عبوس أسود الثياب لا يستحم لا يفعل شيئا سوى معاقرة الخمر” ومضاجعة الزواني ، يأكل بشكل مقرف ، لا يفهم في أي شيء، وليس له أدنى معرفة أو ثقافة أو مهارة أو إبداع، عديم المروءة والرجولة.
وهذا بعضه حقيقي وأكثره مخالف للحقيقة، والإسراف في هذا التشويه لا يخدم الإسلام  كما قد يتبادر إلى الذهن بل أدى إلى أضرار في واقعنا الحالي بجانب أن الإنصاف هو أحد أعمدة دعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم ولو مع ألد الأعداء.””)
parzaa56596896.png

فلو حاولنا أن نكون منصفين ونلاحظ الأمور الحضارية التي كانت موجودة عند ذلك المجتمع العربي قبل الاسلام ، فإذا قمنا بإسقاط المعايير الحضارية المعاصرة عليهم ، فماذا سنجد ؟

صدق : سنجد مجتمع مدني متحضر ( علميا واقتصاديا وأخلاقيا ) طبعا مع وجود بعض الشوائب ، السلوكية أو الدينية المتعلقة بعبادة الأوثان لكن رغم ذلك ، فالمجتمع العربي قبل الاسلام كانت فيه عوامل حضارية رائعة نذكر منها :

الجانب الحضاري في الآدب :
——————-

– سوق عكاظ = كانت في مقام المؤتمرات العلمية  اللغوية التي تقيمها الجامعات في عصرنا
كان يجتمع فيها كل الأدباء والشعراء ( النخبة اللغوية )  ليتباروا ويتنافسوا ويتناقشوا  بإبداعهم اللغوي والاجتماعي( شعر ونثر)

فـ ( لقد عرف المجتمع العربي في الجاهلية نهضة ثقافية وأدبية يتبارى فيها الشعراء في تأليف القصائد الطويلة المحكمة المنضبطة بقواعد الشعر واللغة وعرفوا إقامة المسابقات وتشكيل لجان التحكيم التي تعمل قواعد النقد الأدبي لتحدد مواطن تميز كل شاعر عن منافسيه، أقام المجتمع الجاهلي) (1)

المستشرق النمساوي ليوبولد فايس  يتكلم عن البدو في شبه الجزيرة العربية  وثقافتهم
http://www.yacoline.com/video/180110/

الجانب الحضاري في الإقتصاد :
——————-
هل كان المجتمع العربي في الجاهلية يهتم بالاقتصاد ويطوره وينميه ؟ ويربط علاقات اقتصادية بالأمم القوية المجاورة له ؟ أم كان مجرد مجتمع بدوي متخلف لا يعرف إلا رعي الأغنام والابل في الصحراء كما تصوره لنا  الأفلام والمسلسلات اليوم ؟

في الحقيقة نجد أن المجتمع العربي في الجاهلية ( قبل الاسلام ) كان مجتمعا يعطي  الاقتصاد أهمية كبيرة فقد كان له –إقتصاد مزدهر : كانت مكة على سبيل المثال مركزا تجاريا مزدهرا يجمع بين كل القبائل العربية  ، استطاعت قريش أن تجعلها منطقة خارج الصراعات الاقليمية ( مبدأ الحيادية الذي تتبناه دولة سويسرا اليوم )

كما أن القرءان الكريم لمح للجانب الاقتصادي ( العالمي ) أي الذي يمتد حتى خارج الجزيرة العربية  و الذي اعتنى به العرب في الجاهلية أيما اعتناء .. وذلك في قصة ( لإيلاف قريش ) .. الرحلتين التجاريتين ( واحدة في الصيف والأخرى في الشتاء )

– كانت هناك قوافل رسمية تربط مكة بجميع الامبراطورية والمناطق المجاورة لها ( مبدأ السوق المفتوحة الذي تتبناه الدول العظمي اليوم )
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل, عن أبي صالح ( لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ ) قال: كانوا تجارا, فعلم الله حبهم للشام.

capture

الجانب الحضاري في السياسة :
———————
هل كان العرب مجرد بدو أعراب لا دخل لهم في السياسة ؟ ولا باع لهم فيها ؟
عندما نعود للنصوص الأولى في النزاع الذي كان بين رسول الله والعرب المسلمين من جهة ، وبين أعدائهم  كفار قريش وأحلافها من باقي العرب من جهة أخرى … نجد نصوصا كثيرة تشهد بأن كفار العرب كان لهم ما نسميها اليوم  – علاقات دبلوماسية – قوية مع جيرانهم من باقي الامبراطوريات ، فمثلا  عندما فر المسلمون للحبشة / نرى في تصرف كفار قريش الكثير من الدبلوماسية السياسية المحنكة  ، فهم  اجتمعوا ليقرروا أي واحد منهم يرسلونه ليقابل ملك الحبشة  .. وفي آخر اجتماعهم أجمعوا أن يرسلوا له شخصا من علية القوم ومن الذين كانوا على اتصال مسبق به ( سبق وأن زار الحبشة عدة مرات وكان صديقا لملكها ويعرفه معرفة تامة وهو الصحابي عمرو بن العاص ) فلم يرسلوا له شخصا نكرة أو شخصا يجهله  بل أرسلوا له من اعتاد على استقباله  ، و  نفس الشئ نراه عندما راسلهم ملك فارس يستعلم عن أمر هذا الدين الجديد ، فقد أرسل لهم وهو ملك على قومه يستشيرهم في أمر أشكل عليه يريد أن يتحقق منه من خلالهم  وهذا يدل على أنه كان على سابق تواصل معهم ، ومواقف كثيرة تدل على أن العرب في جاهليتهم  لم يكونوا مجرد بدو في الصحراء منقطعين عن جيرانهم من باقي الدول  بل كانت لهم علاقات سياسية و دبلوماسية قوية مع جيرانهم والقوة العظمى في عصرهم .
(فامتدت علاقاتهم السياسية عبر البحر الأحمر إلى الحبشة وهو الأمر الذي حاولوا استغلاله لاحقا لاستعادة المسلمين المهاجرين من هناك، والمتأمل في نقاشات عتبة بن ربيعة ومنطقه ومفاوضات الحديبية يدرك ثقل هؤلاء سياسيا وقدر ذكائهم)(1)

-الديمقراطية في جاهلية العرب :
——————
نلاحظ  أيضا في النصوص التي تكلمت عن الحرب بين  المسلمين والعرب  أن قريشا وباقي القبائل من أحلافها كانت تتبع نهج ما نسميه اليوم بالديمقراطية في اتخاذ قراراتها ، فلا تتخذ قرارا حتى يجتمع زعماؤها ويتناقشوه ، والرأي الذي يجتمعون عليه يعملون به ، من أمثلة ذلك ،، اجتماعهم واتخاذه قرار جماعي في مقاطعة المسلمين في شعب مكة ،.. وتأسيسهم لحلف الفضول وكان أول حلف جاهلي لنصرة المظلوم  والتكفل به فقدعرف المجتمع الجاهلي معنى  التكافل الاجتماعي وانشأوا في ذلك حلفا سياسيا وهو حلف الفضول مهمته الوقوف مع المظلوم واستعادة حقه
hqdefault

الجانب الحضاري في العلوم :
—————–
هل كان عرب الجاهلية مجرد بدو أعراب  أميون جهلة  لا يحسنون أي نوع من العلوم ؟
لا ، بل العكس ، حتى أبسط بدوي أعرابي   منهم يحفظ قصائد أدبية معقدة ، و كان للعرب قبل الاسلام  باع في الكثير من العلوم التي اختصوا بها حتى عن باقي الأقوام الأعجمية ، كعلم القيافة وتتبع الأثر ، وعلم الأنساب  و علوم الأدب ، وقراءة النجوم لمعرفة الطريق ليلا وبعضا من العلوم العسكرية والطبية  ،   فقد ( عرفوا علوم اقتفاء الأثر إلى حد معرفة تفاصيل عن شخصية صاحب الأثر وحتى استطاعوا الوصول إلى غار ثور وراء النبي صلى الله عليه وسلم رغم خطته المحكمة، ووجود الغار في عكس إتجاه المدينة، أتقنوا طبوغرافيا جزيرتهم واستخدام النجوم للسير في ظلامها دون فقدان الطريق ،عرفوا علوم الأنساب وبرعوا فيها، لم تكن عسكريتهم عشوائية بل عرفوا كيف تشكل الجيوش مقدمة وميمنة وميسرة وساقة ، عرفوا الخطط العسكرية وتميز فيها بعضهم كخباب بن الأرت الذي انتفع المسلمون باستراتيجياته لاحقا ، وكذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما)

أما لو ذهبنا أبعد من فترة الجاهلية ، فنجد أن شبه  الجزيرة العربية (موطن هؤلاء العرب)  مليئة وغنية جدا  بالآثار التاريخية التي تثبت  أن أسلاف هؤلاء العرب كانت لهم  حضارات متقدمة في علومها ضاربة في أعماق التاريخ :  كآثار سد مأرب ، و البتراء و التيماء ومملكة الفاو ، وآثار قوم هود  ..الخ
441

1a1bfcdaf087e4b1

%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ae%d8%b1-%d9%82%d8%b1%d8%a8-%d8%a2%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%ad%d9%90%d9%85%d8%a7%d8%8c-%d9%86%d8%ac%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%8c

رسومات صخرية في المملكة العربية السعودية

ولم يكن أجداد هؤلاء العرب مجرد بدو أميون كما يعتقد بعضهم اليوم ، بل أتقن هؤلاء  ( العرب القدماء ) الكتابة والقراءة  وهذا دليل أنهم كانوا ذو ثقافة متقدمة ( مكتوبة ومقروءة ) .. وتفننوا في اختراع و استعمال الكثير من الخطوط ، كخط المسند ( الذي اخترعوه لكتابة لغتهم  العربية القديمة ) والخط الثمودي ، واللحياني ..الخ

%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d9%88%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%8e%d9%91%d8%a9-%d9%a1

نقوش اللحيانية – المملكة العربية السعودية

mk6390_ffffff

mk27804_0000004

من النقوش الثمودية في المملكة العربية السعودية

 

611alsh3er

فسيفساء جدارية من مملكة كندة في نجد وسط السعودية


الجانب الحضاري في الأخلاق :
——————
هل كان العرب في جاهليتهم ؟ قوم همج بلا أخلاق ؟
عن الجانب الأخلاقي فعرف الكفار المروءة والشجاعة والكرم حتى ذاع صيت بعضهم كحاتم الطائي وأصبح مثلا يضرب ،  و نجد  دلائل ونصوص  كثيرة عن وجود قيم أخلاقية عالية لدى العرب في جاهليتهم ، من ذلك نذكر

هل كان العرب في جاهليتهم يعتدون على الأعراض ؟
نجد من القصص التي ذكرها المسلمون  .. عندما أرادت هند بن عتبة وهي زوجة أمير من أمراء قريش الدخول للإسلام وذهبت عند رسول الله تسأله ما المطلوب منها حتى تصبح مسلمة ؟ … فأجابها رسول الله ببعض الأمور إن التزمت بها صارت من المسلمات …

فكانت ردة فعلها أن  استعجت من احدى الشروط : وقالت ( أتزني الحرة ؟ )

استعجابها هذا  وفي هذه اللحظة وهي بعد لم تدخل الاسلام .. دليل قوي أنها لم تعهد في مجتمعها الكافر( الذي خرجت منه للتو )  أن الحرة قد تزني ، فالأمر كان شئ مُعاب في مجتمعها الكافر السابق

(كما لم يثبت لي – والله أعلم- في تاريخ المشركين القذر في محاربتهم للمسلمين وتعذيبهم لهم بأشنع الوسائل أنهم اغتصبوا مسلمة، بل وقفوا على باب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون خروجه لقتله حتى لا يقتحموا على بناته البيت … وعرفوا ستر جسد المرأة ورأسها إذ أن تبرج الجاهلية تركز في كشف الرقبة وأعلى الصدر فقط مع الضرب بالقدم في الأرض ليسمع الناس صوت الخلاخيل الخفية وهو ما نهى عنه الإسلام لاحقا.) (1)

أكثر من هذا  نجد في قصة أخرى …بالتحديد عند قراءة الشروط التي وضعها كفار قريش لإعادة بناء الكعبة في جاهليتهم ( كان رسول الله آنذاك ما زال شابا يافعا ولم يبشر بالنبوة )  ، يخيل إليك في تلك الشروط التي وضعها العرب في جاهليتهم كأن واضعيها كما لو كانوا من المسلمين وليسوا من الكفار … فقد تعاهدوا ألا يدخلوا في بنائها مهر بغي أو ربا أو مظلمة حتى عندما نفذ المال المخصص لاعادة بنائها قبل إتمام  البناء جعلوا الحجر علامة على حدودها

واذا عدنا أبعد من الجاهلية في تاريخ العرب السحيق  .. نجد أن المؤرخ اليوناني ( الاغريقي ) هيرودوث(هيرودس ) الذي يعتبر صاحب أقدم كتاب تأريخي مكتوب  ، قد ذكر بعض عادات العرب القدماء في القرن الخامس قبل الميلاد ،   منها طريقة تبجيلهم للعهود فلا يخلفون العهد ولو مع الغريب والعهد عندهم  اغلى من الدم وذكر المؤرخ الاغريقي أن العرب القدماء هم  اصحاب عادة ( جرح اليد والمصافحة بها عند ابرام أي عهد ) كرمز للوفاء بعهده حتى آخر قطرة من دمه 

hirodit

العهد عند العرب في العصور القديمة ، هيرودوث

اما عن عرب الجاهلية الذين نزل فيهم الاسلام فنجدهم  في عدائهم للمسلمين ..
فقد تقيدوا بالكثير من الأخلاق.. منها :

ما مدى كرم وسخاء العربي في جاهليته قبل الاسلام ؟
نجد من القصص  ، قصة أبو لهب ( عم الرسول صلى الله عليه وسلم ) وقد كان من أشد أعداء الاسلام ، الذي نزلت في حقه سورة المسد ، يلعنه فيها المسلمون إلىى يوم القيامة …
Résultat de recherche d'images pour "‫سورة المسد‬‎"
هذا العدو اللدود للمسلمين رغم كل ما فعله في المسلمين من تنكيل .. هو نفسه الذي في يوم ميلاد النبي محمد عليه الصلاة و السلام ..  جاءت جارية (خادمة) تزف إليه خبر مولد  ابن أخيه ففرح لذلك فرحا شديدا .. ولم يكتفي بالاكتفاء بسماع خبر الولادة  بل قام بفعل غريب  ينم عن كرم وسخاء كبير … قام بتحرير الجارية التي نقلت له خبر الولادة  من الرق

ماذا عن عادة وأد البنات ؟
أليست مثالا على أن العرب في الجاهلية كانوا قوما جلفا متعصبين يمقتون النساء ؟
عادة وأد البنات ، تَظهر لنا من أول نظرة أنها  عادة همجية لا يقوم بها إلا قوم لا يحترمون النساء ـــ  لكن لو نظرنا إليها من زاوية الشرف فهي دليل كبير على تعظيم أؤلئك العرب لشرفهم  في جاهليتهم  ( بمجرد أن يعود  الرجل منهم ويشك  في أن ابنته أو زوجته خانته يدفنها وهي حية ) حتى تكون عبرة لبنات عصرها  ، هذا و هناك دراسات تقول أنها كانت عادة حالاتها معدودة على الأصابع ( لم تكن شائعة كما صورها الإعلام والمسلسلات )  …

ويكفينا قول الرسول ص في حديث صحيح ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) فهذا حديث دال بأن مجتمع كفار العرب الذي نشأ فيه رسول الله ( العربي ) صلى الله عليه وسلم .. كان فيه من الأخلاق الحميدة التي تبناها الإسلام وأتم عليها… وهناك  نقطة أخيرة : عندما نقول ( فترة الجاهلية ) فهي فقهيا لا تعني مفهوم ( الجهل ) الذي نفهمه في عصرنا ( انسان جاهل = انسان غير متعلم أو أمي أو لا يتقن شيئا من العلوم والصنائع ) ، الجاهلية في منظور الفقه  الإسلامي ، هي الفترة التي تسبق فترة الإسلام ، كل الأقوام المسلمة (عربا وعجما ) كانت كلها في جاهلية حتى دخلت لفترة الإسلام . فمصطلح الجاهلية الاسلامي شامل للأقوام العجمية من ( أمازيغ و أتراك و أفغان …الخ ) قبل إسلامها ، فكلها كانت في جاهلية حتى أسلمت ، وكل من ليس مسلما يعتبر في جاهلية حتى يسلم .

 نقول كل هذا ونحن  لا نزين لكفار العرب  صنيعهم في الإسلام والمسلمين

والسبب من كل هذا المقال و  التنبيه على  التوقف في  الإسراف في تشويه عرب الجاهلية : ما لخصه الاستاذ معتز عبد الرحمان

1- لقد كانت معجزة القرآن الكريم الكبرى مركزة في تحدي هؤلاء القوم في لغتهم وإمكانياتهم البلاغية ، فإذا كان الخصم بهذا الجهل والضعف فما معنى تحديه وما دلالة الانتصار عليه؟! …  فالمبالغة في إظهار جهل  الخصم  ودونيته وانحطاط القوم  الذين واجهم  النبي صلى الله عليه وسلم … أغرى البعض في عصرنا ، بالاستخفاف من الدعوة نفسها ، وحصر دورها في زمان هؤلاء العشوائيين ( المتخلفين كما يعتقد ) ، وأن هذا الدين الذي  نزل لهؤلاء الهمج عديمي كل شيء لا يمكن أن يناسب المجتمعات المتحضرة ذات الإمكانيات المتطورة ( والعلوم المتقدمة )  ، معرفة واقع أهل الجاهلية ( وانصافهم في ) إمكاناتهم وخصائصهم يحد من هذا الزعم الباطل ( الذي يتبناه من يطعن في الاسلام )  …

2- يعتمد المروجون لمسألة حصر الإسلام حاليا في الجانب الأخلاقي فقط وتهميش أهمية العقيدة والعبادات على هذه الصورة ( المشوهة عن العرب في جاهليتهم ) لإثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا لفساد أخلاق هؤلاء القوم مطلقا ، ولولا فساد أخلاقهم المزري وحيوانيتهم ما بعث النبي ، من أجل ذلك يقول البعض عن أهل الغرب ( شعوب أمريكا وأوربا ) حاليا أنهم يمثلون إسلاما بلا مسلمين لوجود شيء من الأخلاقيات الأساسية الإنسانية عندهم ، وهذا مضلل ، فإن المشركين ( العرب )  كان لديهم  أيضا من الأخلاقيات الأساسية ربما تفوق ما يوجد عند الغرب الآن ، ومع ذلك فقد جاءت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أينعم لتكمل ما نقص من تلك الأخلاق ولكن لتؤكد أيضا أن كل ذلك غير مقبول دون صلاح العقيدة ، بل إن وصف المشركين بالأنعام في القرآن الكريم جاء مقترنا بفساد عقيدتهم وضلالهم عن معرفة الإله الحق ، جاء ذلك في وصف مشركي مكة وكل من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم على سواء أيا كانت حضارته وأخلاقياته الظاهرة، فإن تلك الأقوام  ( العربية الجاهلية التي يصفها هؤلاء الحمقى اليوم بالأعراب  ) لو قابلهم هؤلاء وتعاملوا معهم وجلسوا في حلف الفضول وذاقوا كرم الطائي وشاهدوا عفة المشركات وترفع المشركين عن ترويع النساء لقالوا (أن اؤلئك العرب الذين حاربهم الاسلام )  كانوا  يمثلون إسلاما بلا مسلمين! وقالوا يالها من حقوق إنسان! فإن حتى التعذيب والقتل الذي مارسوه ضد المسلمين الجدد يمارس الغرب والشرق الآن أضعافه بشكل مباشر وبالوكالة في البلاد المحتلة والخاضعة للهيمنة ، وبغي قويهم على ضعيفهم يقع أيضا عند الغرب والشرق سواء ضد المسلمين أو ضد بعضهم البعض وهذا بين قبل الحروب العالمية وخلالها وبعدها.

3- تصوير الكافر والمنافق دوما على أنه ذاك الرجل القذر العفن و الكافرة تلك المرأة المستهترة أدى لعدم تصور بعض المسلمين أن يكون هناك رجل لطيف ذوق أنيق وامرأة محتشمة مهذبة وفي نفس الوقت كافر أو كافرة ، فطفقوا ينفون عنهم الكفر ( يقصد إذا وجد كافر بهذه الاخلاق الانسانية من الكرم والسخاء والعطاء )  فيثورون إذا ما قال أحد أن هذا الكافر إن لم يتب مصيره إلى النار! ويقولون أن هذه الأخلاق وحدها هي غاية الإسلام فلما يدخل النار ويدخل المسلم سيء الخلق الجنة بعد أن يقضي ما عليه أو يعفو الله عنه ، وهم لا يدركون أنهم لو جلسوا مع عموم مشركي الجزيرة العربية ويهودها ونصارى الروم ومجوس الفرس لوجدوهم على حال  (من الأخلاق ) لا يختلف كثيرا عن كفار هذا  العصر ، ولكن بلا شك تلك الصورة المنطبعة هي التي تأتي في بالهم كلما قرأوا عن الإيمان والكفر والجنة والنار وأصبح صعبا على كثير منهم استيعاب نفس الأمر عن كفار العصر فوقعوا بلا وعي أخطاء وبلايا.

4- بنفس النقطة السابقة أصبح الانخداع في الكفار والمنافقين أسهل طالما أنهم  مهذبين في الكلام ،  يستحمون يوميا ويستعملون البارفان ورائحتهم ليست كرائحة حنظلة قبل الإسلام، وكأن الحق يعرف باختبار ودراسة الكاريزما لا بمحتوى الكلام الذي يقال.

من ذلك كله فإن فقدان الإنصاف والدقة في ذكر ما على المرء والفئة وما لهما على سواء سيظل بابا للسوء وإن كان بحق كفار قريش ، بجانب أنه مخالفة شرعية، وإن الدقة وشمولية الطرح ليست اختيارا، وقد تعلمنا من علماء الجرح والتعديل والسير دروسا عملية في ذلك قلما نستفيد منها على  أرض الواقع. انتهى كلامه رحمه الله

 .العدناني التلمساني 

—————
1 —  ماذا خسرنا بتشويه الدراما لكفار قريش
http://www.e3lam.org/2015/05/05/35577

Advertisements

3 thoughts on “العرب، الأعراب الجُهال المتخلفون! les arabes, les bédouines ignorants

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s