L’Algérie: occidentale OU orientale ? الجزائر : شرقية أم غربية ؟


مقال للأستاذ محمود شريف:  حول الإنتماء الحضاري للجزائر
وإمتداد عمقها و أمنها القومي عبر تاريخها الطويل
—————————————

“إنَّ التأريخَ الإستعماريّ للمغربِ مالبِثَ يتشبَثُ بفكرِةِ سوء حظِّ المغاربه… سوء حظّهم لعدم إعترافهم بالرّسالةِ الحضاريّةِ لروما، سوء حظِّهم لإختيارِهمُ الإسلام وسوء حظّهم لنزوح بني هلالٍ لأرضهم، وسوء حظّهم أيضاً لكونِ أرضهم أصبحت قاعدةً للقرصنةِ العثمانّيه!”
عبد الله لعروي، تاريخ المغرب، المقدمه.

(وفي هذا المقتطف يشرح الاستاذ عبد الله لعروي نفسية الفرنسيين اتجاه تاريخ المنطقة ، فقد حاول مؤرخوا الاستعمار جاهدين تشويه وتسفيه تاريخ كل الاقوام المشرقية التي استقرت في الجزائر من فينقيين وعرب وأتراك وتنزيه وتشريف تاريخ الاقوام الاوربية والغربية من رومان ووندال وغيرهم ممن كان لهم وجود في ماضي الجزائر وترابها )

قد تابعتُ ممتعضًا بعض ماقد أُثير حول عاصمة المخطوطِ العربّي وقبلَهُ حول مسألة القصبة وعن كونها تراثا معماريا عثماني الملامح، قرأت بتحفظ ماقد كتبه العديد من الأخوه الجزائريين المعارضين لكل تقرب من الشرق، قرأت بعض ماكتبه أحد الأساتذه حول التطرُّف والرجعيّه الذيْنِ ينبعانِ حسبه من الشرق عامه ومن العرب خصوصًا…

في الغالب لا أحب التعقيب، لكنني أردت التنويه، عبر رؤوس أقلام إلي بعض النقاط التي قد تعطينا قراءاتٍ أخرى لهذا الموضوعِ، بعيدا عن جوِّ الكُره والإنتقاصِ من الآخر.

كتب المؤرِّخ و عالم الآثار الفرنسي بول-آلبير- فيفريي في مقدمة كتابه “مقاربه لتاريخ المغرب الروماني” المطبوع بسنةِ ١٩٩٠ أن الغُّصة العالقه لدي أغلب مؤرخي المغرب من الأوربيين تكمن في أواصر إرتباطه بقرطاج بدل روما وبالإسلام بدل فرنسا وأوربا، هذا الإنفصال المزدوج لطالما أفسدَ، يضيف المؤلف، على الأوربيين حبهم لمغربٍ متوسطي.

أمّا جولفان الذي تمدرس على يدِهِ العَدِيدُ من أساتذنا في الجامعه، والذي عَمِل لصالح الحكومه الإستعماريه، ورسم وجمع معلوماتٍ دقيقةٍ حول الفنّ الزخرفيّ الإسلاميّ في المغرب، مافتئ يكرر إمتهانا وتحقيرا للجزائر، أن ليس لهذا البلد تاريخ خاص به!

إن المُلاحظ المُتأنّي لجزائر التاريخ وجزائر اليوم، يكتشف إرتباطا وثيقا لهذا البلد بالشّرق، والإرتباطُ لا يعنِي عدمَ وجودَ خصوصيّه بل يعني وجود ثقل ثقافي وتاريخي ما، يرجِّح كفّة الإنتماء الحضاريّ له، لقطب دون قطب…

إرتَبطت جزائِرنا بقرطاج، وقرطاج روح الشرق في المغرب قبل الإسلام. يحدثنا آبولي صاحب روايه الحمار الذهبي، في معرض سرده لسفره إلى قرطاج ومدن ليبيا ومن ثم الشرق، وزواجه بأمِّ أحد تلامذته فيصف القرطاجيين في كتابه “آبولوجيا” بأنهم معلموه وأسياده. حتي أنّه في كتابه الرئيس، أين يعرض إلي تزكيه النفس والترقي بها من دونيه الجسم والشهوات، يذكر آلهة الشّرق أكثر من ذكره لمعابد الرومان. بل إن مؤرخي الفلسفه يزجّونه ضمن المفكرين الأفلاطونيين الذي قربوا الفلسفه اليونانيه ذات الكنه الأوربي إلى المعتقدات الوثنية الشرقيه. ويتحدثّون عن التيار السّامي، مع بورفيروس اللبنانيّ و آفلوطين المِصريّ، داخل الموروث اليوناني وهذا طبعا قبل الإسلام… آبولي الذي كان يقول عن نفسه أنّه نصف نوميدي ونصف “جيتول”… (أنظر تاريخ الفلسفه، II، ٢٣٨، لإيميل بريهيي).

إستحوَذت الأجْناسُ الغير أوربيّه على مقاليد الحكم بروما، وتزاوجت أسر شرقيه سوريه بأسَرَ ليبية فكانت أسرة السيفيريين مثلاً… وفطرة الصنهاجة والزناتة البدويّه والصحراويّه لا تختلف كثيرا عن فطرة عرب الجزيره. وقد نوّه إلى ذلك إبن خلدون والبكري وغيرهم. بل إن بن خلدون أشار إلي مبالغة التطبع بالبداوة لدي قبائل تبسّه لإحتكاكهم المفرط ببني هلالٍ وسليم ( أنظر العبر، I، ٢٧٨).

إرتبطت الإمارات الإسلاميّه الزناتيّه والصنهاجيّه بمشرقٍ وبأندلسٍ فها هو أحد أمرائِها يضيقُ به الحال حين يرسِلُ إليه صلاح الدين الأيّوبي، أن ائتنِي بأسطولِك البحريّ لصدّ الصليبِيين… ضاق صدرُه أن يراسله صلاح الدِّين من دون أن يُصبغ عليه لَقَبَ “أمير”. وقد كانت سُفُنُ المَغرِب قويّةً أنذاك وكان يُشقُ حَطَبُها من غاب بجايه… ولعلِّى سأستغرِقُ في هذا البابِ لأضيفَ أنَّ للمغارِبَةِ في باب الجهادِ مع صلاحِ الدّين اليَدُ الطولى وقد عُرِفوا برباطةِ بأسِهِم وصبرِهم في البرِّ والبحر وقد أنشؤوا كما يذُكرُ المقريزي حمّاماتٍ في قلبِ المعسكراتِ وكان عددُهم في حصار عكّا كبيرًا : “كان في معسكَرِهِ ألفُ حمّام، وكان أكثر من يتولّاها المغارِبه، يجتمِعُ منهم الإثنان و الثّلاثه ويحفِرونَ الذراعيْنِ فيطلعُ الماء ويأخذون الطّين فيعملون منه حوضًا وحائطًا…” (أنظركتاب السُّلوك، المقريزي، جزء ١، ١، ٩٤).

إرتبطت الجزائر بالعثمانيّين أيضًا، وأعطى تواجُدهم فيها بعدا شرقيّا ثالثا، وزاد نزُوح الأندلسيّين من دنيا والمِريه وبلنسيه في هذا البعد، نزوحٌ يقدِّرُه بعض المؤرخين الإسبان ب ٣٠٠٠٠٠، حتّى أنّ الأستاذ ديسبرمه يصِفُ في بدايات القرنِ الفارط العاصمةَ بالمدينة العثمانيّه، والبُليْده بالمدينة الأندلسيّه. ( أنظر عادات وتقاليد “الآنديجان”- ديسبرمه، ٢٧١). وتحوِي المكتبة الوطنيّه مثلًا مخطوطاتٍ فريدةً من شعر الجنود الإنكشاريين، شعْرٌ يُدعى بالتركيّه شعر الآسيك، وهي تحويلٌ لكلمة عاشِقٍ بالعربيه. (أنظُر مخطوط المكتبة ة الوطنيّه برقم ١٨١٨، إبراهيم خوجه، ٦٤ ورقه)… كما أنَّ لنا في ملبِسنا ومأكلِنا ومعاشِنا أمثلةً لاتحصى على هذا.

كانت مكاتِبُ قسنطينة جدّ غنية بالمخطوط العربيّ، نهل منها المستشرقون كماسينيون (ذوالحيل الجهنميه المطبقه كما يصفه بن نبي) ما نهل. وعرّج على ذكرِها لوكلارك صاحب أكبرموسوعاتٍ لتاريخ الطبِّ العربيّ في غير ما مرّه. قسنطينة مدينة أرباب الثقافه الكلاسيكيه في الجزائر الحديثه، بنو باديس وبنو لفقون، والعبارة ليست لي، وإنما هي وصف للمستشرق “بارك” الذي بكى هجرة مثقّفيها إلي مصر و سوريا بعد أن إستقرّ الأمر للفرنسيس… وغِناها بالتراث العربي أوعز للأمير عبد القادر فكرة جمع المخطوط، عبد القادر بن قريةٍ في معسكر الذي كان يُراسَل، بعد نفيه، من طرف علماء و باحثّيّ “بريتش ميوزيوم” ليشرح ما تعسّر لهم في فهم مخطوطٍ عربيّ ما. “والصّافنات الجِياد” كفيلة لتبيّنَ لنا غزير علمه الأدبيّ… علمٌ طَلبه في الجزائر وليس في الأزهر!

مصطفى لشرف يتحدث أيضا عن تواجد مخطوطات ببوسعاة والصحراء، مفقودة حتي في المشرق، كمخطوطِ للشاعرِ الرّندي الذي قال عنه الأديب المصري أحمد تيمور باشا أنه فُقِد للأبد. (راجع الصفحات إبتداءً من ص ٦٠، ثمّ ٨٣ ، ثمّ ٢٨٦ من كتابه أسماءٌ وأماكن، ذكرياتُ جزائرٍ منسيّه).

إنَّ فصل الجزائر عن موْروثها الروحي، ومحوِ جزءٍ كبيرٍ من بُعدِها الثّقافي أو محاولةُ توجِيهه إنّما هو محاولة أشبه ما تكون بمحاولات تلاعبِ الإثنولوجيا العسكرية الإستعمارية ببعض سكان الجزائر، محاولة دمجهم واستعمالهم، وإني أجدُ شخصيًا نَفَس دوماس وفابار في بعض أبناء الجنرال توفيق. والثّقافة العربية ليست آل سعود وعبد الناصر ولا بومديَن، و إنَّ هذه، إن أردنا، لنظرةٌ إختزاليّة و جاهلةٌ حتى لا نتهِمَ أدعياءَها بالإستخفافِ بعقولهم قبلَ عقولنا!

حول الكليشيهات الإستعماريه أنصح بقراءة كتب لوكاس فيليب، لورسان باتريسيا، فعموما الموضوع يطول ويحتاجُ تفصيلاً آخر ولعلّ ماقد نَقَلتهُ الباحثةُ فاني كولونا على لسان المؤرخ الإستعماري ستيفان شال يُغني كثيرًا عن التعليقِ، ويُعفينا، على الأقل في النقاط المذكورةِ أعلاه، من الإستطرادِ المُمِّل، إذ قال : “يفتَقِرُ هذا المغربُ إلى بسمةِ الإغريق، وإنَّ سيْطرةَ قرطاج عليهِ والتي تَبِعها الإسلام أي المشرق، من شأنها أن تعزِلَ هؤلاء المَغَاربةَ المُتوسطيين، أقرباء سكانِ الشمال… إنَّ روما برهنت أنَّ الأفارقة يُمكِنُهم التعلقُ بأوربا والتشَبُهِ بها، وإنّنا نحنُ الفرنسيون، لا نحاولُ منذُ قرنٍ إلّا تكملةَ هذا المشروع…” (فاني كولونا، دراسة في التاريخ الإجتماعي لجزائرِ الرّيف، ٢٦٢).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s